علي بن أحمد المهائمي
378
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
الأزلي ، ولا يلزم تعدد القدر ما لكونه معدوما في الخارج ، فمسألة القدر أيضا جلية وإن خفيت على أهل الخبر والاعتزال ، ( فإن القدر ما جهل إلا من شدة الظهور ) ، فإن الشيء إذا جاوز حده أورث ضده ، ( فلم يعرف ، فكثر فيه الطلب ) بالمقدمات الكثيرة الطويلة العريضة العميقة ، والإلحاح في إيراد الشبهات وحلها . [ واعلم أنّ الرّسل صلوات اللّه عليهم من حيث هم رسل لا من حيث هم أولياء وعارفون على مراتب ما هي عليه أممهم فما عندهم من العلم الّذي أرسلوا به إلّا قدر ما تحتاج إليه أمّة ذلك الرّسول ، لا زائد ولا ناقص ، والأمم متفاضلة يزيد بعضها على بعض فيتفاضل الرّسل في علم الإرسال بتفاضل أممها ، وهو قوله تعالى : تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ [ البقرة : 253 ] ، كما هم أيضا فيما يرجع إلى ذواتهم - عليهم السّلام - من العلوم والمعارف والأحكام الإلهيّة متفاضلون بحسب استعداداتهم ، وهو في قوله : وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ [ الإسراء : 55 ] ، وقال تعالى في حقّ الخلق : وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ [ النحل : 71 ] . والرّزق منه ما هو روحانيّ كالعلوم ، وحسّيّ كالأغذية وما ينزّله الحقّ إلّا بقدر معلوم ، وهو الاستحقاق الّذي يطلبه الخلق ، فإنّ اللّه أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ [ طه : 50 ] فينزّل بقدر ما يشاء وما يشاء إلّا ما علم فحكم به ، وما علم كما قلناه إلّا بما أعطاه المعلوم من نفسه ، فالتّوقيت في الأصل للمعلوم والقضاء والعلم والإرادة والمشيّة تبع للقدر ، فسرّ القدر من أجلّ العلوم وما يفهّمه اللّه تعالى إلّا لمن اختصّه بالمعرفة التّامّة ، فالعلم به يعطي الرّاحة الكلّيّة للعالم به ، ويعطي العذاب الأليم للعالم به أيضا ؛ فهو يعطي النّقيضين ، وبه وصف الحقّ نفسه بالغضب والرّضا وبه تقابلت الأسماء الإلهيّة ، فحقيقته تحكم في الوجود المطلق والوجود المقيّد لا يمكن أن يكون شيء أتمّ منها ولا أقوى ولا أعظم لعموم حكمها المتعدّي وغير المتعدّي ] . ثم أشار إلى فضيلة علم القدر بأن فضائل الأنبياء والخلائق وتفاوت درجاتهم ، إنما تعرف به ، وأنه إنما يعرف به تقابل أسماء اللّه وصفاته ، وإن علمه وإرادته وقضاءه تابعة له ؛ فقال : ( واعلم أن الرسل صلوات اللّه عليهم من حيث هم رسل ) أرسلوا إلى أممهم ( لا من حيث هم أولياء وعارفون ) ، فإنهم وإن تفاوتوا بتلك الحيثية أيضا ، لكنه ليس بمقدار استعدادت الأمم ، وكذا من حيث هم أنبياء على ما يصرح به عن قريب ، ولكن لم يذكرهم آنفا ؛ فلهم منزلة الأولياء أو العارفين بهذا الاعتبار ( على مراتب ما هي عليه أممهم ) من الاستعدادات العملية والعلمية ، ( فعندهم من العلم الذي أرسلوا به ) إلى الأمم سواء في